هشام جعيط
101
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
بمعنى أنه قوض الظلة ( « أراغ بنيانه » ) ، أي بعد تحديد موقعه نهائيا ، قرر سعد بناء المسجد بناء صلبا مصمما ، والمقصود حجرة الصلاة فقط « 1 » . وهكذا وإلى حد الآن فإن نص سيف لا يتناقض مع نفسه إطلاقا . لا بد أن تكون الظلة وجدت منذ البداية ، ثم تحسن بناؤها بعد ذلك ، ويحتمل أنها بنيت بالآجر ، وألحق بها صحن سئ الغلق كان يفتح على الخلاء الخارجي ، لكنه كان لا محالة محدد الأبعاد . ولذا فإن مجال المسجد الأصلي لم يكن مجالا خاليا بل كان مفتوحا من ثلاثة جوانب وغير مستكمل . والمرجح أنه بني من جانب واحد بناء سيئا . وإني أقول « المرجح » لأنه افتراض لا تسمح به رواية سيف بصفة صريحة . بل بالعكس ، يحثنا على ذلك غموضه في هذه النقطة بالتحديد ، إلى جانب المقارنة بين مختلف المصادر المتاحة لدينا ، والمصداقية التاريخية . ومن هذه الوجهة ، يكون نص سيف متضاربا ، غير دقيق بصفة تامة . فقد أشار إلى الظلة الأولى قائلا : « وكانت ظلته مائتي ذراع ( نحو 108 أمتار ) على أساطين رخام كانت للأكاسرة ، سماؤها كسماء الكنائس الرومية » . وأضاف بعد قليل أن زيادا جلب أعمدة من الأهواز ثقبت وحشيت بالرصاص . ثم تمّ تمتينها بسفافيد من حديد ارتبطت بها مع السقف ، هذا السقف المرتفع الذي حملته « 2 » . وهو يتكلم تارة عن دهقان من همذان وتارة عن روزبه ذاك البنّاء المعماري الذي كثيرا ما يرد اسمه ، ويؤكد أن هذا الأخير استخدم عملة من عرب الحيرة النساطرة وهم العباد . إن الشبه بين هاتين الروايتين لمراحل متغايرة ليس بتمام الاكتمال ، لكنه ملفت للنظر . وهو يسمح لنا بتأويل المرحلتين الأوليين على أنهما إسقاط للمرحلة الأخيرة ( فترة زياد ) . ذلك أن المصادر الأخرى ، وهي قليلة التعرض لهذا الموضوع ، تنسب حادثة استيراد أعمدة الأهواز إلى زياد ، لكنها لا تتكلم البتة عن أعمدة من رخام في خصوص عصر سعد « 3 » . يؤيد النص الموجود في الفتوح للبلاذري ، ما قاله غرابار ، وهو يتلخص في أنه يمكن للقبائل البناء من
--> - وقد أكد كرسويل وجود النمط المعماري لبلاد الرافدين في البناء : Creswell , op . cit . , pp . 17 - 18 ويضيف أن سقف المسجد بالكوفة كان من خشب . ( 1 ) لو أن الظلة بنيت بناء صلبا منذ البداية بسقف على النموذج الشامي البيزنطي ، لما كان من المتيسر هدمها وإعادة البناء على بعد 100 متر . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 44 - 46 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 276 ؛ ياقوت ، معجم البلدان : ج 4 ، ص 491 ، يؤكد أن زيادا كان أول من بنى بالآجر وأنه أتى بالأساطين من الأهواز . ويروي ياقوت في ص 492 من الجزء نفسه ، أن عبيد اللّه بن زياد هو الذي بنى المسجد بناء صلبا ، وهي رواية تلتقي مع ما ورد في الأخبار عن ثورة مسلم بن عقيل حيث نرى جند ابن زياد يجوسون في ظلال المسجد على ضوء القناديل : راجع الطبري ، ج 5 ، ص 372 .